العقيدة الحقّة


القول في أفعال العباد


وَأَفْعَالُ العِبَادِ كُلُّها خَلْقُ اللهِ وَكَسْبٌ مِنَ العِبَادِ فالأفعالُ الاختياريةُ تَقَعُ كَسْبًا للعبدِ وخَلْقًا منَ اللهِ تعالى، وَلَمْ يُكَلّفْهُمُ اللهُ تَعَالى إلاَّ مَا يُطِيقُونَ، وَلا يُطَيَّقُونَ أي لا يُلْزَمُونَ إلا مَا كَلَّفَهُم اللهُ بهِ، وليسَ معناها أنَّ العِبَادَ لا يَستطيعونَ أنْ يَفعلُوا سوى ما كَلَّفَهُمُ اللهُ بهِ، والواقعُ أنَّ العِبادَ قادِرونَ على أنْ يُخالفُوا ما كَلَّفَهُمُ اللهُ بهِ وذلكَ حَالُ أكثرِ البَشَرِ. وَهُوَ تَفْسِيرُ لا حَولَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ بِاللهِ نَقُولُ: لا حِيْلَةَ لأَحَدٍ وَلا حَرَكَةَ لأَحَدٍ وَلا تَحَوُّلَ لأَحَدٍ عَنْ مَعْصِيةِ اللهِ إلاَّ بِمَعُونَةِ اللهِ أيْ إلاَّ بعِصمتِهِ وَلا قُوَّةَ لأَحَدٍ عَلَى إقَامَةِ طَاعَةِ اللهِ وَالثَّبَاتِ عَلَيهَا إلاَّ بِتَوفِيقِ اللهِ فالعبدُ مُحتاجٌ إلى اللهِ في الأَمْرَيْنِ: في التَّحَفُّظِ عنِ المعاصِي والقُدْرَةِ والتَّمَكُّنِ على الطَّاعاتِ. وَكُلُّ شَىءٍ أيْ أنَّ كلَّ عملٍ يَعْمَلُهُ ابنُ ءادمَ وغيرَ ذلك مِمَّا يَدخُلُ في الوجودِ مِنْ أَعيانٍ وأعراضٍ يَجْرِي بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالى وَعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فَلا يَحْصُلُ شىءٌ مِنَ العَالَمِ إلاَّ بهذهِ الصِّفاتِ الأَرْبَعِ غَلَبَتْ مَشِيئتُهُ المَشِيئَاتِ كُلَّهَا أيْ لا يَتَنَفَّذُ شىءٌ منْ مشيئاتِ العِبادِ إلاَّ أنْ يشاءَ اللهُ نُفُوذَها، وغَلَبَ قَضَاؤُهُ الحِيَلَ كُلَّها أي أنَّ حِيَلَ العِبادِ لا تُوصِلُ إلاَّ إلى ما قَضَى اللهُ تباركَ وتعالى، فَمَا لم يَقْضِ اللهُ تباركَ وتعالى، أيْ ما لم يَخْلُقْهُ، لا تَنْفُذُ الحِيَلُ فيهِ. يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ويَدُلُّ على ذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿فعالٌ لِمَا يُرِيد﴾، وَهُوَ غَيرُ ظَالِمٍ أَبَدًا تَقَدَّسَ أي تنـزَّهَ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وَحَيْنٍ أيْ ظُلْمٍ، وَتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَشَيْنٍ أَيْ نَقْصٍ.
﴿لا يُسْأَلُ﴾ أي الله ﴿عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ﴾ أي العباد ﴿يُسْأَلُونَ﴾ عما يفعلون (23)[الأنبياء] وَفي دُعَاءِ الأَحيَاءِ وَصَدَقَاتِهِمْ مَنفَعَةٌ لِلأَمْوَاتِ من المسلِمِينَ بالإجماعِ، وكذلكَ قِراءَةُ القُرءانِ على القبرِ تَنفعُ الميِّتَ. وَاللهُ تَعَالى يَسْتَجِيبُ الدَّعَوَاتِ وَيَقْضِي الحَاجَاتِ فلَوْ لم يَستجبْ لم يَكُنْ ذلك ظُلْمًا، لكنَّه أَخبرَ بأنه يَستجيبُ فَلا يَتَخَلَّفُ كَلامُهُ، لكنَّه يَستجيبُ ما شاءَ أنْ يُعْطِيَهُ للعِبادِ وليسَ كُلَّ ما يَطْلُبُونَ. وَيَملِكُ كُلَّ شَىءٍ قال الله تعالى:{له ملك السموات والأرض} وَلا يَملِكُهُ شَىءٌ لأن المالك لا يصير مملوكًا، وَلا غِنَى عَنِ الله تَعَالى طَرفَةَ عَيْنٍ أي أنَّ كُلَّ شىءٍ يَحتاجُ إلى اللهِ تعالى لأنَّهُ هو الذي أَوجَدَهُ، وَمَنْ [زَعَمَ أَنَّهُ] اسْتَغنَى عَنِ اللهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَقَد كَفَرَ لأن الافتقار صفة لازمة للعبد والغنى صفة للرب وَصَارَ مِنْ أَهْلِ الحَيْنِ وهوَ الهَلاكُ، فإن الكافر مخلد في العذاب الشديد وأي هلاك أشد من هذا؟!.