العقيدة الحقّة


القول في صفات الله تعالى وتنـزيهه

قَدِيمٌ بِلا ابتِدَاءٍ لأنه لو كان حادثًا لافتقر إلى محدث هذا معنى القديمِ إذا أُطلِقَ على اللهِ ويُرادِفُهُ الأَزليُّ، دَائِمٌ بِلا انتِهَاءٍ هَذِهِ عِبارةٌ عن بقائهِ تعالى لِيُعْلَمَ أَنَّ دَوَامَهُ تَعَالَى لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِٱلزَّمَانِ، لا يَفْنَى وَلا يَبِيدُ أي لا يهلك، قَالَ بَعْضُهُم: "جَمَعُوا بَيْنَ ٱللَّفْظَيْنِ تَأْكِيْدًا لِدَوَامِ بَقَائِهِ تَعَالَى"، وَلا يَكونُ إلا ما يُريدُ أي لا يَدخلُ في الوجودِ منَ الأعيانِ مهْمَا صَغُرَتْ إلا بإرادتِهِ ومَشِيئتِهِ، لا تَبلُغُهُ الأوهَامُ أي تَصَوُّرَاتُ ٱلْعِبَادِ، فَالإنسانُ وَهْمُهُ يَدُورُ حولَ مَا أَلِفَهُ مِنَ الشَّىءِ المحسُوسِ الَّذِي لَهُ حَدٌّ وشَكْلٌ ولَوْنٌ واللهُ تعالى ليسَ كذلكَ، وَلا تُدرِكُهُ الأَفهَامُ أي لا تُحِيطُ بهِ العُقُول، فَحَقِيْقَةُ ٱلْلَّهِ لاَ يَصِلُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مَهْمَا شَغَلَ فِكْرَهُ، وَلا يُشبِهُ الأَنَامَ أي الخلْق. حيٌّ لا يَمُوتُ فالحيُّ في حقِّ اللهِ تعالى يُفَسَّرُ بأنَّه المتَّصِفُ بِالحيَاةِ الَّتِي هيَ أزلِيَّةٌ أبديةٌ قَيُّومٌ لا يَنَامُ معناهُ الدائمُ الّذي لا يَزولُ، خَالِقٌ بِلا حَاجةٍ أي أَحْدَثَ العالم من غيرِ أنْ يَكُونَ لَهُ احتياجٌ إليهِ لجَلْبِ منفعةٍ لنفسِهِ أَوْ دَفْعِ مَضرَّةٍ عنْ نفسِهِ، رَازِقٌ بِلا مُؤنَةٍ فهو تَعَالى يُوصِلُ إلى العِبادِ أرْزَاقَهُم منْ غيرِ أنْ تَلْحَقَهُ كُلْفةٌ ومشقَّةٌ مُمِيتٌ للأحياءِ مِنْ عبادِهِ بِلا مَخَافَةٍ أي لا لِخَوْفٍ منْ أنْ يلْحَقَهُ ضَرَرٌ، بَاعِثٌ للأمواتِ بلا مَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُ. مَا زَالَ بِصِفَاتِهِ قَدِيمًا أي كان موصوفًا بهذه الصفات قَبلَ خلقِهِ أي مخلوقاته، لَمْ يَزْدَدْ بِكَونِهِمْ أي بكون المخلوقات شَيئًا لَم يَكنْ قَبلَهُمْ أي قبل المخلوقات مِنْ صِفَتِهِ معناه ما زاد في صفات الله بعد خلق الخلائق شىء لم يكن في صفاته قبل خلقهم بل صفاته أزلية. وَكَما كَانَ بِصِفَاتِهِ أَزَلِيًّا كَذَلِكَ لا يَزَالُ عَلَيْها أَبَدِيًّا. لَيسَ بَعدَ خَلقِ الخَلقِ استَفَادَ اسمَ الخَالِقِ وَلا بإِحدَاثِهِ البرِيَّةَ استَفَادَ اسمَ البَارِئِ فهُوَ تباركَ وتعالى خَالِقٌ قبلَ حُدُوثِ الخلْقِ وبارِئٌ قبلَ حُدوثِ البريةِ لَهُ مَعنَى الرُّبُوبِيَّةِ وَلا مَربُوبَ وَمَعنَى الخَالِقِ وَلا مَخلُوقَ أي أنَّ اللهَ تعالى كانَ مُتَّصِفًا بالخالقيّةِ والرُّبُوبِيَّةِ قبلَ وجودِ المخلوقينَ والمرْبُوبِينَ، هذا تأكيد لِما ذُكر أولاً، فإنه تعالى "خالق" و"رب" قبل وجود المخلوق والمربوب. وَكَمَا أَنَّهُ مُحيِي المَوتَى بَعدَمَا أَحيَا استَحَقَّ هذا الاسمَ قَبلَ إحيائِهِم المعنى أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى كانَ متَّصِفًا بالإحياءِ قبلَ حدوثِ الخلقِ ثم أَجرَى عليهِمُ الحياةَ التي هي حادثةٌ، كَذَلِكَ استَحَقَّ اسمَ الخَالِقِ قَبلَ إِنشَائِهِم أيْ أنه مستحقٌّ للاتِّصافِ بمعنى الخالقِ قبلَ إنشاءِ الخلقِ، ذَلِكَ إشارةٌ إلى جميعِ ما تقَدَّمَ مِمَّا ذَكَرَ مِنْ صفاتِه مثل الإحياءِ والإماتةِ وغيرِها بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ أيْ في كلِّ ما يقبلُ الدخولَ في الوجودِ، وَكُلُّ شَىءٍ سواه إلَيهِ فَقِيرٌ أي مفتقر إليه في وجوده وبقائه وَكُلُّ أَمرٍ عَلَيهِ يَسِيرٌ لا يلحقُه في إيجادِه مشقة، لا يَحتَاجُ إلى شَىءٍ لأن الحاجة نقص والنقص على الله محال لَيسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ هذا تنـزيه، نفي ما لا يليق بالله عن الله. أما وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ إثباتُ ما يليقُ باللهِ، السمعُ صفةٌ لائقةٌ والبصرُ كذلكَ. بعدَ أَن ذكر أنه لا يُشبهُ شيئًا ذكرَ أنهُ سَميعٌ وأنه بصير حتى لا يُتوهمَ أن سَمعَهُ كسمعِ غيرِه وبصرَه كبصرِ غيرِه. فمن اعتقدَ أنَّ اللهَ جسمٌ كثيفٌ أو لطيفٌ لم يعرِف الله فهو جاهلٌ بخالقِه. خَلَقَ الخَلقَ بِعِلْمِهِ المعنى أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى خلَقَ الخلْقَ على حسَبِ عِلْمِه الأزليِّ وتقديرِه الأزليِّ وَقَدَّرَ لَهُم أَقدَارًا أي وقَدَّرَ سبحانَه مقاديرَ الخلقِ منَ الخيرِ والشَّرِّ والطَّاعةِ والمعصيةِ والرِّزقِ والسَّعادةِ والشَّقاوةِ ونحوِ ذلكَ وضَرَبَ لَهُم ءاجالا أي قدَّرَ ءاجالَ الخلائقِ، فإن الأجل المضروب لكل واحد منهم مبرم لا يحتمل التقدم والتأخر ولَم يَخفَ عَلَيهِ شَىءٌ مما حَدثَ ومما يحدُثُ إلى ما لا نهايةَ لهُ قَبْلَ أَن يَخْلُقَهُم، وَعَلِمَ مَا هُم عَامِلُونَ قَبلَ أَنْ يَخلُقَهُم فالمخلوقاتُ التي خلقَها فدخلَتْ في الوجودِ والتي ستُخلَقُ ولم تدخلْ في الوجودِ بعدُ كلٌّ بعِلمِه الأزليِّ الذي هو عِلْمٌ واحدٌ شاملٌ يتعلقُ بسائرِ المُمْكِناتِ العقليةِ وبالواجبِ العقليِّ وبالمستحيلِ العقليِّ. وَأَمَرَهُم أيِ اللهُ تعالى أمرَ العبادَ بِطَاعَتِهِ وَنَهَاهُم عَن مَعصِيَتِهِ تحقيقًا لمعنى الابتلاءِ لأن أوامر الله تعالى ونواهيَه لابتلاء العباد واختبارهم ليظهر لنا المطيع من العاصي على حسب ما سبق به علمه، وَكُلُّ شَىءٍ يَجرِي بِتَقدِيرِهِ وَمَشِيئَتِهِ وهي تخصيصُ الْمُمْكِنِ العقليِّ ببعضِ ما يجوزُ عليهِ دونَ بعضٍ، وَمَشِيئَتُهُ تَنفُذُ لأن في نفاذ مشيئةِ غير اللهِ وعدمِ نفاذ مشيئتِه أمارة عجزه حيثُ جرى في ملكه ما لم يشأ وهو على الله محال لا مشيئةَ للعبادِ إلا ما شَاء لَهُم أي إلا أنْ يشاءَ دخولَها في الوجودِ، لأنَّ مشيئةَ العبادِ منْ جملةِ الحادثاتِ، فَمَا شَاء لَهُم كَانَ وَمَا لَم يَشَأ لَمْ يَكُن، يَهدي مَن يَشَاءُ أي أنَّ اللهَ يخلقُ الاهتداءَ فيمَنْ يشاءُ مِنْ عبادِه وَيَعصِمُ أَيْ يَحْفَظُهُ وَيَمْنَعُهُ عَنْ مَعَاصِيْهِ ويُعَافي أَيْ يُعَافِيْهِ فِي نَفْسِهِ وَدِيْنِهِ فَضلاً مِنْهُ تَعَالَى لاَ لاِسْتِحْقَاقِ ذٰلِكَ عَلَيْهِ، وَيُضِلُّ مَن يشاءُ وَيَخذُلُ أَيْ يَتْرُكُ عَوْنَهُ وَنُصْرَتَهُ وَيَبتَلي عَبْدَهُ فِي نَفْسِهِ وَدِيْنِهِ عدلاً مِنْهُ لاَ ظُلْمًا وَجَوْرًا وَكُلُّهُمْ يَتقلَّبونَ في مَشِيئتِهِ يعني أنَّ العبادَ يَتصرفونَ بمشيئةِ اللهِ تباركَ وتعالى بَينَ فَضلِهِ وَعَدلِهِ فإنْ تَصرَّفُوا بالخيرِ فبفضلِ اللهِ تعالى، وإنْ تَصرَّفُوا في المعاصي والشرورِ فبعدلِ اللهِ تباركَ وتعالى. وَهُوَ أي اللهُ تباركَ وتعالى مُتَعَالٍ مُنَزَّهٌ عنِ الأَضدادِ أي عمَّن يتصرفُ تصرفًا يريدُ أنْ يغلبَ اللهَ به على زعمِهِ لأنَّ كلَّ شىءٍ في قَبضتِه، وكلَّ شىءٍ مِلكُه وَالأندادِ أي الأمثالِ، لأنَّ كلَّ شىءٍ في قَبضتِه، وكلَّ شىءٍ مِلكُه، لا رَادَّ لِقَضَائِهِ أيْ لا أحدَ يردُّ قضاءَ اللهِ تباركَ وتعالى، وَلا مُعَقِّبَ لِحُكمِهِ أيْ لا أحدَ يجعلُ حكمَه باطلاً، وَلا غَالِبَ لأمرِهِ أي لا يَغلِبُ أمرَ اللهِ غالبٌ، ءامَنَّا بِذَلِكَ كُلِّهِ أي صدَّقنا تَصْدِيقًا جَازِمًا وَأَيقَنَّا إِيْمَانًا لا تَرَدُّدَ فِيهِ أَنَّ كُلاً مِنْ عِندِهِ أي أنَّ كلَّ شىءٍ دخلَ في الوجودِ فإنما حصلَ بعلمِ اللهِ الأزليِّ وتقديرِه وقضائِه.