العقيدة الحقّة


القول في لزوم الجماعة


وَنَرَى الجَمَاعَة حَقًّا وَصَوَابًا يحتمل أن يكون مرادُهُ بالجماعةِ إجماع أهلِ الحقِّ في مسئلةٍ دِينيةٍ في الاعتقادِ أوِ الفروعِ ويَحتملُ أنْ يكونَ مرادُهُ بالجماعةِ طاعةَ الإمامِ الذي بَايَعَهُ المسلمُونَ، لأنَّ الخروجَ على الإمامِ الذي صَحَّتْ بَيْعَتُهُ منَ الكبائرِ والفُرْقَةَ وهي مخالفةَ الإجماعِ زَيْغًا وَعَذَابًا لأن مخالفة الإجماع زيغ أي ميل عن الطريق المستقيم وعذاب لأنه يوصل إلى العذاب وَدِينُ اللهِ في الأَرضِ والسَّمَاءِ وَاحِدٌ وَهُوَ دِينُ الإِسْلامِ أَيْ أنَّ الملائكةَ يَدِينونَ بالإسلامِ، وأنَّ المؤمنينَ مِنْ أهلِ الأرضِ مِنْ إنسٍ وجِنٍّ يَدِينونَ بالإسلامِ، قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ﴾ (19) [سورة ءال عمران]، وقالَ تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾(3) [سورة المائدة] أيْ أنَّ الدِّينَ الصحيحَ المقبولَ عندَ اللهِ هوَ الإسلامُ وما سواهُ منَ الأديانِ باطلٌ، وَهُوَ أي دين الله بَيْنَ الغُلُوّ الذي هو مجاوزةُ الحدِّ الْمَجْعُولِ للعِبادِ في الدِّينِ والتَّقْصِيرِ الذي هوَ تَرْكُ الوُصولِ إلى حَدِّ المأمورِ، فدين الله متوسط بينهما وكلٌّ من الغلو والتقصير مذموم، وَبَينَ التَّشْبيهِ الذي هو تشبيهُ اللهِ بخلقِهِ وَالتَّعْطِيلِ الذي هو نَفْيُ وجودِ اللهِ أو صفاتِهِ وبَينَ الجَبْرِ الذي هو اعتقادُ أنَّ الإنسانَ لا فِعلَ لهُ والقَدَر الذي هو اعتقادُ أنَّ الإنسانَ يَخْلُقُ أفعالَهُ الاختياريةَ بقُدرةٍ خلقَهَا اللهُ فيهِ. وبينَ الأَمْنِ والإيَاسِ أي أنَّ الإسلامَ الذي هو دِينُ اللهِ هو أنْ يكونَ العبدُ بينَ الخوفِ والرَّجاءِ، فهوَ حقيقةُ العُبوديةِ.
فَهذا أي جميع ما ذكرنا من أول الكتاب إلى ها هنا دِينُنا وَاعتِقَادُنا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لأنه قد شهدت على صحة ما ذكرنا الأدلةُ المنقولة والبراهين المعقولة فيجب أن نعتقده ظاهرًا وباطنًا لأن المخالفة بين الظاهر والباطن من أوصاف المنافقين وهم في الدَّرْكِ الأسفل من النار وَنَحْنُ بُرَءَاءُ إلَى اللهِ مِنْ كُلِّ مَنْ خَالَفَ الذِي ذكَرْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ لأن ما ذكره من أصول الدين من أول الكتاب إلى ءاخره وهو مذهب أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين، ثابت بالمنقول والمعقول وهو الطريق الذي كان عليه النبي وأصحابه فيكون المخالف على مذهب أهل الهوى والبدعة فوجب التبري منه.
وَنَسأَلُ اللهَ تَعَالى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الإِيمانِ وَيَختِمَ لَنَا بِهِ وإنَّمَا سَأَلَ المؤلِّفُ الثَّباتَ على الدِّينِ لأنَّ ذلكَ مِنْ أَهَمِّ أُمورِ الدِّينِ، فالاعتبار بحسن الخاتمة وَيَعْصِمنَا مِنَ الأَهْوَاءِ المُخْتَلِفَةِ لأن أهل الأهواء المختلفة خالفوا الأدلة الظاهرة والبراهين الباهرة الشرعية والعقلية وتعلقوا بأوهام وشبهات لا تصلح دليلاً بهوى أنفسهم وميلهم إلى الباطل والأهواءُ جمعُ هوى وهوَ الأمرُ الباطلُ الذي تَمِيلُ إليهِ النُّفوسُ ويعصمنا من الآراءِ المُتَفَرِّقَةِ وَالمَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ مِثْلِ المُشَبهةِ والمُعتَزِلَةِ والجَهْمِيَّةِ وهيَ طائفةٌ منسوبةٌ إلى جَهْمِ بنِ صَفْوَانَ كانَ يقولُ: إنَّ اللهَ هوَ هذا الهواءُ معَ كُلِّ شىءٍ وعلى كُلِّ شىءٍ، وهو يقولُ بفناءِ الجنةِ والنارِ، وتَبِعَهُ ابنُ تَيمِيةَ الحَرَّانِيُّ في القَولِ بفناءِ النارِ والجَبْريَّةِ وَالقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ كالخوارج والمرجئة مِنَ الذينَ خَالفُوا السُّنَّةَ وَالجَمَاعَةَ وَحَالَفُوا الضَّلالَةَ. وَنَحْنُ مِنْهُمْ بَرَاءٌ هذا زيادةُ تأكيدٍ لِمَا تَقَدَّمَ. وَهُمْ عِندَنَا ضُلاَّلٌ وَأَرْدِياءٌ وَبِاللهِ العِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ أي الله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.

والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وصلَّى اللهُ على سيِّدِنا محمَّدٍ خاتمِ الأنبياءِ والمرسلينَ، وعلى صحابتِهِ وأهلِ بيتِهِ الطاهرِينَ الطَّيِّبِينَ.