العقيدة الحقّة


القول في كلام الله تعالى


وإنَّ القُرءانَ كلامُ اللهِ فقوله:"وإن القرءان كلام الله" هو عطف على قوله:"إن الله واحد" والتقدير: نقول معتقدين إن الله واحد وإن محمدًا عبده المصطفى وإن القرءان كلام الله، مِنهُ بَدَا أيْ ظهرَ أيْ إنزالاً على نبيِّهِ، وليسَ المرادُ منْ كلمةِ "بَدَا" أنهُ خرجَ منهُ تَلَفُّظًا كمَا يخرجُ كلامُ أحدِنا منْ لسانِهِ تلفُّظًا كما تقولُ المشبهةُ، بلا كَيفِيَّةٍ قَولاً أيْ ليسَ بحرفٍ ولا صوتٍ لأنَّ الحرفَ والصوتَ كيفيةٌ منَ الكيفياتِ وَأَنزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ محمد صلى الله عليه وسلم وَحْيًا، وَصَدَّقَهُ الصحابة المُؤمِنُونَ عَلَى ذَلِكَ حَقًّا أي كونه كلام الله تعالى، وَأَيقَنُوا أي علموا باليقين أَنَّهُ كَلامُ الله تَعالى بالحَقِيقَةِ لَيسَ بِمَخلُوقٍ كَكَلامِ البَرِيَّةِ لأن القرءان يطلق على الكلام الذاتيّ الذي ليس هو بحرفٍ ولا صوتٍ ولا لغةٍ عربية ولا غيرها كما يطلق على اللفظ المنـزَّل الذي يقرؤه المؤمنون، فمَنْ سَمِعَهُ فَزَعَمَ أنَّه كلامُ البَشَرِ أي أنَّه مِنْ تأليفِ بشرٍ فَقَدْ كَفَرَ، وَقَدْ ذَمَّهُ اللهُ وعَابَهُ وأَوعَدَهُ بسَقَرَ أي بعذاب النار حيثُ قالَ تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾(26) [سورة المدثر]. فلمَّا أَوعَدَ اللهُ بسَقَرَ لِمَنْ قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ (25) [سورة المدثر] عَلِمنَا وَأَيقَنَّا أَنَّهُ قَولُ خَالِقِ البَشَرِ ولا يُشبِهُ قَولَ البَشَرِ، وَمَنْ وَصَفَ اللهَ بِمعنًى مِن مَعاني البَشَرِ فَقَد كَفَرَ أيْ أنَّ مَنْ وصفَ اللهَ بوصفٍ مِنْ أوصافِ البشرِ المحدَثةِ قولاً أوِ اعتقادًا فهوَ كافرٌ لأنَّه كذَّبَ قولَه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾. فَمَنْ أَبْصَرَ هَذَا أَي من تأمل في هذه المعاني اعتَبَرَ بِالكُفَّارِ الْمُستَحِقِّينَ لِسَقَر وَعَنْ مِثْلِ قَولِ الكُفَّارِ انزَجرَ لِئَلا يَلزَمَهُ مَا لَزِمَهُم مِنَ العَذَابِ. وَعَلِمَ أنَّهُ بِصِفَاتِهِ لَيسَ كَالبَشَرِ فإن صفاته قديمة أزلية أبدية قائمة بذاته وصفات البشر حادثة.