العقيدة الحقّة


القول في الرؤية


والرؤْيةُ حَقٌّ ثابتة يجبُ الإيمانُ بِها لأهْلِ الجَنَّةِ أي للمؤمنينَ في الآخِرةِ بِغَيرِ إحاطَةٍ أي يَرَونَهُ مِن دُونِ أَنْ يَحُدُّوهُ، مِنْ دُونِ أَنْ يُحِيطُوا بِهِ لأنَّ الإحاطةَ بهِ مستحيلةٌ، وَلا كَيفيَّةٍ أي مِنْ دُونِ أَنْ يُدرِكُوا لَهُ شَكلاً وَلا هَيئَةً لأَنَّهُ مَوجُودٌ لا يَشبِهُ شَيئًا مِنَ الْمَوْجُودَاتِ كَمَا نَطَقَ أي جاء بِهِ كِتَابُ رَبِّنَا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ معناه تَرى ربَّها ذلكَ اليوم، وهذهِ الوجوهُ عبارةٌ عنِ المؤمنينَ وَتَفسِيرُهُ عَلى مَا أرَادَهُ اللهُ تَعَالى معنًى بكلامِه وَعَلِمَهُ أيْ على حسَبِ ما عَلِمَ اللهُ. وَكُلُّ مَا جَاءَ في ذلِكَ مِنَ الحَدِيثِ الثابتِ الصَّحيحِ عَنِ الرَّسُولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فَهُوَ كما قالَ وَمَعنَاهُ على ما أرادَ عليه الصلاة والسلام لا نَدخُلُ في ذلكَ مُتَأوِّلينَ بِآرائِنَا أي بلا دليلٍ عقليٍّ قطعيٍّ ولا دليلٍ سمعيٍّ ثابتٍ وَلا مُتَوَهِّمِين بِأهوائِنَا يعني أنه لاَ يدخلُ في ذلك متصوِّرًا بوهمِهِ فإنهُ مَا سَلِمَ في دِيْنِهِ إلا مَنْ سَلَّمَ للهِ عَزَّ وجَلَّ ولرسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فالسَّلامةُ في التَّسليمِ للهِ ولرسولِه أيِ اعتقادِ أنَّ ما جاءَ في الشرعِ منْ أمورِ الدِّينِ فهو على حسَبِ ما أرادَ اللهُ تعالى ورسولُه أي ليس مبنيًا على التوهم والتصور وَرَدَّ عِلمَ ما اشتَبَهَ عليهِ فَهمُه منَ الأمورِ المتعلقةِ بالآخرةِ وغيرِها إلى عَالِمِهِ أي يَرجعُ بهِ إلى أهلِ العلمِ الراسخينَ. وَلا تَثبُتُ قَدَمٌ في الإِسْلامِ إلا على ظَهرِ التَّسْليمِ والاستِسْلامِ لأن الإسلام هو الانقياد ولا يتحقق إلا بالتسليم وهو الرِّضى بما جاءَ عنِ اللهِ تعالى والاستسلامِ وهو الانقيادُ للشرعِ أيْ قَبولُ ما جاءَ فيهِ منَ العقائدِ والأحكامِ وترك الاعتراض على أحكامه وحكمه. فَمَنْ رَامَ عِلْمَ مَا حُظِرَ عَنْهُ عِلْمُهُ معناهُ أنَّ منْ طلبَ أنْ يَعلمَ ما مُنعَ عنهُ علمُهُ وَلَمْ يَقنَعْ بِالتَّسْلِيمِ فَهْمُهُ حَجَبَهُ مَرَامُهُ أيْ مطلوبُهُ عَنْ خَالِصِ التَّوْحِيدِ وَصَافِي المَعْرِفَةِ وَصَحِيحِ الإِيمانِ إذْ خلوصُ العبد مشروطٌ بتسليمِ ذلكَ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ فَيَتَذَبْذَبُ بَيْنَ الكُفْرِ وَالإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ وَالإِقْرارِ وَالإِنْكارِ موسوِسًا تائهًا شاكًّا زائغًا مائلاً عنِ الحقِّ إلى الباطلِ لا مؤمنًا مصدِّقًا ولا جاحدًا مكذِّبًا فيكونُ مضطربًا مؤمنًا ببعضٍ وكافرًا ببعضٍ، لا كالكافرِ المعلنِ كفرَه ولا كالمؤمنِ الذي صَدَقَ في الإيمانِ وءامنَ عنْ حقيقةٍ. ولا يصِحُّ الإِيمانُ بالرؤيةِ لأهلِ دارِ السَّلامِ لمنِ اعتبرَها منْهُم بوَهْمٍ أو تَأَوَّلهَا بفهم معناه مَنِ اعتبرَ الرؤيةَ على غيرِ الوجهِ المشروحِ المتقدِّمِ ذكرُهُ الذي هو معتقدُ أهلِ السنةِ والجماعةِ فهو غيرُ مصدِّقٍ بهِ كمَا أُمِرَ. وقولُه: "دارِ السلامِ" اسمٌ للجَنَّةِ، وجميعُ طبقاتِها يَشملُه هذا الاسمُ. إذْ كانَ تأويلُ الرؤيةِ وتأويلُ كلِّ معنًى يضافُ إلى الرُّبوبيَّةِ بتركِ التَّأويلِ الذي هو بعيدٌ عنِ الحقِّ والإصابةِ، ولا يعني التأويلَ الذي يفعلُه أهلُ السُّنةِ إنْ كانَ إجماليًّا أو كان تفصيليًّا، ويُقوِّي كونَ مُرادِ الطَّحاويِّ بنفيِ التأويلِ ليسَ مُطلقَ التَّأويلِ قولُه في مسألةِ الكلامِ: "منهُ بَدَا بِلا كيفيَّةٍ قَوْلاً" لأنَّ هذا تأويلٌ. ولزومِ التَّسليمِ وعليهِ دِينُ المسلمينَ. وَمَنْ لَمْ يَتَوَقَّ النَّفْيَ وَالتَّشبِيهَ أي أن من لم يجتنب نفي الرؤية التي أثبتها الشرع ولم يجتنب التشبيه الذي هو خلاف العقل والنقل زَلَّ عن الحق ووقع في الباطل وَلَمْ يُصِبِ التَّنْزِيهَ أي فَقَدَ وحُرِمَ التنْزِيهَ أي تنْزيهَ اللهِ عنِ مشابهةِ خَلْقِهِ. فَإنّ رَبَّنا جَلَّ وَعَلا مَوصُوفٌ بِصِفاتِ الوَحْدَانِيَّة التي تَنفِي عنِ اللهِ تعالى المشابهةَ لغيرِه مَنعُوتٌ بِنُعُوتِ الفَرْدَانِيَّةِ والوَحدانيةُ والفَردانيةُ مترادِفانِ، وَإِنَّمَا عبَّرَ بالعِبارةِ الثانيةِ لتأكيدِ العبارةِ الأُولى. لَيسَ في مَعنَاهُ أَحَدٌ مِنَ البَرِيّةِ أيْ ليسَ في صفاتِه تعالى أحدٌ منَ الخلقِ، وَتَعَالَى عَنِ الحُدُودِ أيْ أنَّ اللهَ تعالى ليسَ لهُ حدٌّ والحدُّ معناه نهايةُ الشىءِ، فلا يجوزُ عليهِ الحدودُ والمِساحةُ والمِقدارُ، فنفيُ الحدِّ عنهُ عبارةٌ عنْ نَفيِ الحجمِ، والغاياتِ النِّهايات وهذا مِنْ صِفاتِ الأجسامِ، والأركانِ الجوانب،  والأَعضاءِ جمعُ عُضْوٍ وذلك مِنْ خَصائصِ الأجسامِ، والأدواتِ أيِ الأجزاءِ الصغيرة كالْلَّهَاةِ.  لا تَحوِيهِ الجِهاتُ السِّتُّ أيْ لا تُحيطُ بهِ الجهاتُ السِّتُّ وهيَ فوقُ وتحتُ ويمينٌ وشِمالٌ وأمامٌ وخَلْفٌ كسائر المبتدعات أي المخلوقات، لأنَّ هذهِ لا تصِحُّ إلا لِمَنْ هو جِرْمٌ. فاللهُ سبحانَه وتعالى ليسَ داخلَ العَالَمِ وليسَ خارجَهُ وليسَ مُتَّصِلاً بهِ أو منفصِلاً عنه، لأنَّه لوْ كانَ كذلكَ لَكانَ لهُ أمثالٌ لا تُحْصَى، وهو سبحانَه نفَى عنْ نفسِه المماثلةَ لشىءٍ بقولِه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ﴾(11).