العقيدة الحقّة


القول في القدر


وَقَد عَلِمَ اللهُ تَعالى فِيما لَم يَزَلْ أي بعلمه الأزلي عَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ وَعَدَدَ مَنْ يَدخُلُ النارَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وهذا فيه بيانُ إحاطةِ عِلْمِ اللهِ بِمَنْ يَدخلُ الجنةَ تفصيلاً ومَنْ يدخلُ النارَ تفصيلاً، فَلا يُزادُ في ذلِكَ العَدَدِ وَلا يُنْقَصُ مِنْهُ، وَكَذلِكَ أَفْعَالُهُمْ فِيمَا عَلِمَ مِنْهُمْ أَنْ يَفْعَلُوه ويستحيلُ أنْ لاَ يَعلَمَ ما يَكُونُ منْ مخلوقاتِه قبلَ وجودِهِم إذْ ذاكَ جهلٌ والجهلُ في حقِّ القديمِ محالٌ، فَثَبَتَ سَبْقُ عِلْمِهِ في الأزلِ بما يكونُ منْ مخلوقاتِه، وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ فإن مَنْ قُدِّر أنَّهُ منْ أهلِ الجنةِ قُدِّرَ له ما يُقَرِّبُهُ إليها منْ قولٍ وعملٍ وَوُفِّقَ لذلك، ومن قُدِّرَ أنه منْ أهلِ النارِ قُدِّرَ له خِلافُ ذلك فأَتَى بأعمالِ أهلِ النارِ وأصرَّ عليها وَالأَعْمَالُ بِالْخَواتِيمِ أيْ أنَّ الجَزاءَ يكونُ على ما يُخْتَمُ به للعبدِ منَ العملِ، وَالسَّعيدُ مَنْ سَعِدَ بِقَضَاءِ اللهِ تَعَالى فَمَنْ خُتِمَ له بعملِ أهلِ السَّعادةِ فهو سعيدٌ، وهو مَنْ خَلَقَ اللهُ تبارك وتعالى فيه الإيمانَ والطَّاعةَ فَجَرَى ذلك على يَدِهِ وماتَ عليه وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ بِقَضَاءِ اللهِ تَعَالى فمَنْ خُتِمَ له بعملِ أهلِ الشَّقاوةِ فهو شقيٌّ، وهو مَنْ خَلَقَ اللهُ تبارك وتعالى فيه الشَّرَّ فأجراهُ على يدِه وماتَ عليهِ. وَأَصلُ القَدَرِ سِرُّ اللهِ تَعَالى في خَلْقِهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أيْ أنَّ ذلك مَستورٌ عنِ العبادِ، فلذلك نُهِيْنَا عنِ الخوضِ فيه، وإنَّمَا الأمرُ الذي ينبغي في أمرِ القَدَرِ معرفةُ معناه وتفسيرِه، وَالتَّعَمُّقُ وَالنَّظَرُ في ذلِكَ أي في طلب الوقوف على الحكمة التي كتمها الله عن الخلق ذَرِيعَةُ الخِذْلانِ وَسُلَّمُ الحِرْمَانِ وَدَرَجَةُ الطُّغْيَانِ لأنه من يَتَتَبَّعُ ذلك فهو علامةٌ أنه مَخْذُولٌ أيْ محرومٌ فَالحَذَرَ كُلَّ الحَذَرِ مِنْ ذلِكَ نَظَرًا وَفِكْرًا وَوَسْوَسَةً وادْفَعُوا عنْ أنفسِكُمْ مُحَاوَلةَ الاطِّلاَعِ على طلب ما حجب عن العباد حتى مِنْ طريقِ الوَسْوَسَةِ، فَلْيَشْغَلِ الإنسانُ قلبَه بما يَحْجُزُهُ عنْ ذلك فَإنَّ اللهَ تَعَالى طَوَى عِلْمَ القَدَرِ عَنْ أَنَامِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْ مَرَامِهِ أيْ عنْ طَلَبِهِ لأنه أمر لا سبيل إلى معرفته كَمَا قَالَ تَعَالى في كِتَابِهِ: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (23) [سورة الأنبياء]، فَمَنْ سَأَلَ لِمَ فَعَلَ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الكِتَابِ وَمَنْ رَدَّ حُكْمَ الكِتَابِ كانَ منَ الكافرينَ فَهذِهِ جُمْلَةُ مَا يَحتَاجُ إلَيهِ مَن هُوَ مُنوَّرٌ قَلبُهُ منْ أَوْلياءِ اللهِ تَعَالى وفي هذا إشارةٌ إلى جميعِ ما تَقَدَّمَ مِمَّا يجبُ اعتقادُهُ والعملُ به وإلى أنَّ مَنْ حَوَى ذلك وعَمِلَ بهِ فقدْ نَوَّرَ اللهُ قلبَهُ قال الله تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نورٍ من ربه} وَهِيَ دَرَجَةُ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ أيِ المتمكِّنِينَ في العِلْمِ، وهمُ الذين ثَبَتُوا فيهِ وتمكَّنُوا لأنَّ العِلمَ عِلْمانِ: عِلمٌ في الخَلْقِ مَوْجُودٌ وهو ما جَعلَ اللهُ سبيلاً للعبادِ إليهِ، وَعِلْمٌ في الخَلْقِ مَفْقُودٌ وهو ما استأثرَ اللهُ بهِ ولَمْ يَجعلْ للخلقِ سبيلاً إليه. فعِلمُ العقائدِ والأحكامِ وعِلْمُ ما يُنتفَعُ بهِ في المعيشةِ هو مِمَّا جَعلَ اللهُ للخَلْقِ سبيلاً إليهِ، وأمَّا مَا استأثرَ اللهُ بهِ كعِلْمِ وَجْبَةِ القِيامةِ فذلكَ هو العِلْمُ المفقودُ للعِبادِ، فإنكارُ العِلْمِ الموجودِ كُفرٌ كإنكارِ السُّوفِسْطَائِيةِ وُجُودَ الأشياءِ، فهم ينكرون حقائق الأشياء ويقولون: "نتخيّل فقط"، فما نعتقده من حقائق الأشياء ونسميه بالأسماء من الإنسان والفرس والسماء والأرض وغيرِ ذلك ليس تخيلاً بل هي حقيقة موجودة، وادِّعاءُ العِلْمِ المفقودِ كُفرٌ فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ يَعرِفُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ على التّحديدِ كَفَرَ. ولا يَثبُتُ الإِيمانُ إلا بقَبولِ العِلْمِ الموجودِ وتَرْكِ طَلَبِ العِلْمِ المفقودِ. وَنُؤْمِنُ بِاللَّوحِ وهو عِبارةٌ عنْ جِرْمٍ عُلْوِيّ لَيسَ كَأَلْوَاحِنَا والقَلَمِ وهو جِرْمٌ عُلْوِيٌّ لَيسَ كَأَقْلاَمِنَا خُلِقَ قَبْلَ اللَّوْحِ وَنؤمن بِجَمِيعِ مَا فِيهِ أي في اللوح قَدْ رُقِمَ لأن الله أخبر بذلك قال تعالى: {وَكُلَّ شَىءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِين} فعِلْمُ اللهِ غيْرُ مُتناهٍ، أمَّا المكتوبُ في اللَّوحِ المحفوظِ شىءٌ مُتناهٍ، واللَّوحُ ليسَ فيهِ تفاصيلُ ما يقعُ في الآخرةِ لأنَّ هذا شىءٌ لا نهايةَ لهُ. فَلَوِ اجتَمَعَ الخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلَى شَىءٍ كَتَبَهُ اللهُ تَعَالى فِيهِ أَنَّهُ كَائِنٌ لِيَجْعَلُوهُ غَيرَ كَائِنٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيهِ، ولوِ اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ عَلى شَىءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ تَعَالى فِيهِ لِيَجْعَلُوهُ كَائِنًا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ كما وَرَدَ فِيمَا صحَّ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في بعضِ أحاديثِهِ، جَفَّ القَلَمُ بمَا هُو كَائِنٌ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ أيْ أنَّ القَلَمَ قدْ فَرَغَ مِنْ كِتابةِ ذلكَ. وَمَا أَخْطَأَ العبدَ لمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ وَمَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ لأنَّ عِلْمَ اللهِ سَبقَ بذلكَ ولا يَتغيرُ عِلْمُ اللهِ، لأنَّ تغيرَ العِلْمِ جَهْلٌ والجهلُ مستحيلٌ على اللهِ، فما سَبقَ في علمِ اللهِ أنه لا يُصيبُ العبدَ فمحالٌ أنْ يُصيبَه ذلكَ، وما سَبقَ في علمِ اللهِ أنه يُصيبُ العبدَ فمحالٌ أنْ يُخطئَهُ. وَيجبُ عَلَى العَبْدِ أَنْ يَعْلَمَ أنَّ اللهَ قَدْ سَبَقَ عِلمُهُ في كُلِّ كَائِنٍ مِنْ خَلْقِهِ فَقَدَّرَ ذلِكَ تَقْدِيرًا مُحكَمًا مُبرَمًا لَيْسَ فِيهِ نَاقِضٌ وَلا مُعَقِّبٌ وَلا مُزِيلٌ ولا مُغَيِّرٌ وَلا مُحَوِّلٌ ولا نَاقِصٌ وَلا زَائِدٌ مِنْ خَلْقِهِ في سَمَاواتِه وَأرْضِهِ وهذا تصريح بإثبات أزلية علم الله تعالى ومشيئته وبإثبات القضاء والقدر بما هو كائن من خلقه وبتقدير كل شىء على ما تقتضيه حكمته بما خلقه من حسن وقبيح وخير وشر وطاعة ومعصية وغنى وفقر وَذلِكَ أي جميع ما سبق من العقائد المذكورة في القضاء والقدر وغيرهما مِنْ عَقْدِ الإِيمانِ وأُصُولِ المَعرِفَةِ والاعْتِرَافِ بِتَوْحِيدِ اللهِ تَعَالى وَرُبُوبِيَّتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالى في كِتَابِهِ: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىءٍ فقدّره تقديرًا﴾ (2) [سورة الفرقان]، وقالَ تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (38) [سورة الأحزاب] والمرادُ بالأمرِ هنا ليسَ الأمرَ التكليفيَّ كالصلاةِ والصيامِ، إنما ما شاءَ اللهُ تعالى حصولَه ووقوعَه في الوجودِ منْ أعيانِ المخلوقاتِ أوْ منْ صفاتِهِم وحركاتِهِم وسكناتِهِم، فَوَيلٌ لِمَنْ صَارَ للهِ تَعَالَى في القَدَرِ خَصِيمًا فمن ينكر القدر فقد نازع الله فيما أثبته فصار خصيمًا له فيستحق الويل، وويل لمن أَحضَرَ للنَّظَرِ فِيهِ قَلْبًا سَقِيمًا لارتيابه فيما ثبت بالأدلة القطعية لمرض في قلبه، ولطلبه الوقوف على مضمون سر كتمه الله عن خلقه، لَقَدِ التَمَسَ بِوَهْمِهِ في فَحْصِ الغَيبِ سِرًّا كَتِيمًا وَعَادَ بِمَا قَالَ فيهِ أَفَّاكًا أَثِيمًا إذ الأفاك هو الكذاب والأثيم هو الفاجر كثير الإثم، وذلك بسبب إنكار ما ثبت من الأدلة القطعية. وهذا تصريحٌ بذمِّ مَنْ أنكرَ القَدَرَ، ومن أنكره فقد كفر.ْ فِيمَا عَلِمَ مِنْهُمْ أَنْ يَفْعَلُوه ويستحيلُ أنْ لاَ يَعلَمَ ما يَكُونُ منْ مخلوقاتِه قبلَ وجودِهِم إذْ ذاكَ جهلٌ والجهلُ في حقِّ القديمِ محالٌ، فَثَبَتَ سَبْقُ عِلْمِهِ في الأزلِ بما يكونُ منْ مخلوقاتِه، وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ فإن مَنْ قُدِّر أنَّهُ منْ أهلِ الجنةِ قُدِّرَ له ما يُقَرِّبُهُ إليها منْ قولٍ وعملٍ وَوُفِّقَ لذلك، ومن قُدِّرَ أنه منْ أهلِ النارِ قُدِّرَ له خِلافُ ذلك فأَتَى بأعمالِ أهلِ النارِ وأصرَّ عليها وَالأَعْمَالُ بِالْخَواتِيمِ أيْ أنَّ الجَزاءَ يكونُ على ما يُخْتَمُ به للعبدِ منَ العملِ، وَالسَّعيدُ مَنْ سَعِدَ بِقَضَاءِ اللهِ تَعَالى فَمَنْ خُتِمَ له بعملِ أهلِ السَّعادةِ فهو سعيدٌ، وهو مَنْ خَلَقَ اللهُ تبارك وتعالى فيه الإيمانَ والطَّاعةَ فَجَرَى ذلك على يَدِهِ وماتَ عليه وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ بِقَضَاءِ اللهِ تَعَالى فمَنْ خُتِمَ له بعملِ أهلِ الشَّقاوةِ فهو شقيٌّ، وهو مَنْ خَلَقَ اللهُ تبارك وتعالى فيه الشَّرَّ فأجراهُ على يدِه وماتَ عليهِ. وَأَصلُ القَدَرِ سِرُّ اللهِ تَعَالى في خَلْقِهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أيْ أنَّ ذلك مَستورٌ عنِ العبادِ، فلذلك نُهِيْنَا عنِ الخوضِ فيه، وإنَّمَا الأمرُ الذي ينبغي في أمرِ القَدَرِ معرفةُ معناه وتفسيرِه، وَالتَّعَمُّقُ وَالنَّظَرُ في ذلِكَ أي في طلب الوقوف على الحكمة التي كتمها الله عن الخلق ذَرِيعَةُ الخِذْلانِ وَسُلَّمُ الحِرْمَانِ وَدَرَجَةُ الطُّغْيَانِ لأنه من يَتَتَبَّعُ ذلك فهو علامةٌ أنه مَخْذُولٌ أيْ محرومٌ فَالحَذَرَ كُلَّ الحَذَرِ مِنْ ذلِكَ نَظَرًا وَفِكْرًا وَوَسْوَسَةً وادْفَعُوا عنْ أنفسِكُمْ مُحَاوَلةَ الاطِّلاَعِ على طلب ما حجب عن العباد حتى مِنْ طريقِ الوَسْوَسَةِ، فَلْيَشْغَلِ الإنسانُ قلبَه بما يَحْجُزُهُ عنْ ذلك فَإنَّ اللهَ تَعَالى طَوَى عِلْمَ القَدَرِ عَنْ أَنَامِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْ مَرَامِهِ أيْ عنْ طَلَبِهِ لأنه أمر لا سبيل إلى معرفته كَمَا قَالَ تَعَالى في كِتَابِهِ: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (23) [سورة الأنبياء]، فَمَنْ سَأَلَ لِمَ فَعَلَ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الكِتَابِ وَمَنْ رَدَّ حُكْمَ الكِتَابِ كانَ منَ الكافرينَ فَهذِهِ جُمْلَةُ مَا يَحتَاجُ إلَيهِ مَن هُوَ مُنوَّرٌ قَلبُهُ منْ أَوْلياءِ اللهِ تَعَالى وفي هذا إشارةٌ إلى جميعِ ما تَقَدَّمَ مِمَّا يجبُ اعتقادُهُ والعملُ به وإلى أنَّ مَنْ حَوَى ذلك وعَمِلَ بهِ فقدْ نَوَّرَ اللهُ قلبَهُ قال الله تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نورٍ من ربه} وَهِيَ دَرَجَةُ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ أيِ المتمكِّنِينَ في العِلْمِ، وهمُ الذين ثَبَتُوا فيهِ وتمكَّنُوا لأنَّ العِلمَ عِلْمانِ: عِلمٌ في الخَلْقِ مَوْجُودٌ وهو ما جَعلَ اللهُ سبيلاً للعبادِ إليهِ، وَعِلْمٌ في الخَلْقِ مَفْقُودٌ وهو ما استأثرَ اللهُ بهِ ولَمْ يَجعلْ للخلقِ سبيلاً إليه. فعِلمُ العقائدِ والأحكامِ وعِلْمُ ما يُنتفَعُ بهِ في المعيشةِ هو مِمَّا جَعلَ اللهُ للخَلْقِ سبيلاً إليهِ، وأمَّا مَا استأثرَ اللهُ بهِ كعِلْمِ وَجْبَةِ القِيامةِ فذلكَ هو العِلْمُ المفقودُ للعِبادِ، فإنكارُ العِلْمِ الموجودِ كُفرٌ كإنكارِ السُّوفِسْطَائِيةِ وُجُودَ الأشياءِ، فهم ينكرون حقائق الأشياء ويقولون: "نتخيّل فقط"، فما نعتقده من حقائق الأشياء ونسميه بالأسماء من الإنسان والفرس والسماء والأرض وغيرِ ذلك ليس تخيلاً بل هي حقيقة موجودة، وادِّعاءُ العِلْمِ المفقودِ كُفرٌ فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ يَعرِفُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ على التّحديدِ كَفَرَ. ولا يَثبُتُ الإِيمانُ إلا بقَبولِ العِلْمِ الموجودِ وتَرْكِ طَلَبِ العِلْمِ المفقودِ. وَنُؤْمِنُ بِاللَّوحِ وهو عِبارةٌ عنْ جِرْمٍ عُلْوِيّ لَيسَ كَأَلْوَاحِنَا والقَلَمِ وهو جِرْمٌ عُلْوِيٌّ لَيسَ كَأَقْلاَمِنَا خُلِقَ قَبْلَ اللَّوْحِ وَنؤمن بِجَمِيعِ مَا فِيهِ أي في اللوح قَدْ رُقِمَ لأن الله أخبر بذلك قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَىءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِين﴾ فعِلْمُ اللهِ غيْرُ مُتناهٍ، أمَّا المكتوبُ في اللَّوحِ المحفوظِ شىءٌ مُتناهٍ، واللَّوحُ ليسَ فيهِ تفاصيلُ ما يقعُ في الآخرةِ لأنَّ هذا شىءٌ لا نهايةَ لهُ. فَلَوِ اجتَمَعَ الخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلَى شَىءٍ كَتَبَهُ اللهُ تَعَالى فِيهِ أَنَّهُ كَائِنٌ لِيَجْعَلُوهُ غَيرَ كَائِنٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيهِ، ولوِ اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ عَلى شَىءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ تَعَالى فِيهِ لِيَجْعَلُوهُ كَائِنًا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ كما وَرَدَ فِيمَا صحَّ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في بعضِ أحاديثِهِ، جَفَّ القَلَمُ بمَا هُو كَائِنٌ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ أيْ أنَّ القَلَمَ قدْ فَرَغَ مِنْ كِتابةِ ذلكَ. وَمَا أَخْطَأَ العبدَ لمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ وَمَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ لأنَّ عِلْمَ اللهِ سَبقَ بذلكَ ولا يَتغيرُ عِلْمُ اللهِ، لأنَّ تغيرَ العِلْمِ جَهْلٌ والجهلُ مستحيلٌ على اللهِ، فما سَبقَ في علمِ اللهِ أنه لا يُصيبُ العبدَ فمحالٌ أنْ يُصيبَه ذلكَ، وما سَبقَ في علمِ اللهِ أنه يُصيبُ العبدَ فمحالٌ أنْ يُخطئَهُ. وَيجبُ عَلَى العَبْدِ أَنْ يَعْلَمَ أنَّ اللهَ قَدْ سَبَقَ عِلمُهُ في كُلِّ كَائِنٍ مِنْ خَلْقِهِ فَقَدَّرَ ذلِكَ تَقْدِيرًا مُحكَمًا مُبرَمًا لَيْسَ فِيهِ نَاقِضٌ وَلا مُعَقِّبٌ وَلا مُزِيلٌ ولا مُغَيِّرٌ وَلا مُحَوِّلٌ ولا نَاقِصٌ وَلا زَائِدٌ مِنْ خَلْقِهِ في سَمَاواتِه وَأرْضِهِ وهذا تصريح بإثبات أزلية علم الله تعالى ومشيئته وبإثبات القضاء والقدر بما هو كائن من خلقه وبتقدير كل شىء على ما تقتضيه حكمته بما خلقه من حسن وقبيح وخير وشر وطاعة ومعصية وغنى وفقر وَذلِكَ أي جميع ما سبق من العقائد المذكورة في القضاء والقدر وغيرهما مِنْ عَقْدِ الإِيمانِ وأُصُولِ المَعرِفَةِ والاعْتِرَافِ بِتَوْحِيدِ اللهِ تَعَالى وَرُبُوبِيَّتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالى في كِتَابِهِ: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىءٍ فقدّره تقديرًا﴾ (2) [سورة الفرقان]، وقالَ تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (38) [سورة الأحزاب] والمرادُ بالأمرِ هنا ليسَ الأمرَ التكليفيَّ كالصلاةِ والصيامِ، إنما ما شاءَ اللهُ تعالى حصولَه ووقوعَه في الوجودِ منْ أعيانِ المخلوقاتِ أوْ منْ صفاتِهِم وحركاتِهِم وسكناتِهِم، فَوَيلٌ لِمَنْ صَارَ للهِ تَعَالَى في القَدَرِ خَصِيمًا فمن ينكر القدر فقد نازع الله فيما أثبته فصار خصيمًا له فيستحق الويل، وويل لمن أَحضَرَ للنَّظَرِ فِيهِ قَلْبًا سَقِيمًا لارتيابه فيما ثبت بالأدلة القطعية لمرض في قلبه، ولطلبه الوقوف على مضمون سر كتمه الله عن خلقه، لَقَدِ التَمَسَ بِوَهْمِهِ في فَحْصِ الغَيبِ سِرًّا كَتِيمًا وَعَادَ بِمَا قَالَ فيهِ أَفَّاكًا أَثِيمًا إذ الأفاك هو الكذاب والأثيم هو الفاجر كثير الإثم، وذلك بسبب إنكار ما ثبت من الأدلة القطعية. وهذا تصريحٌ بذمِّ مَنْ أنكرَ القَدَرَ، ومن أنكره فقد كفر.